الشيخ عبد الغني النابلسي
157
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وإذا ظهر الشيء للجاهل على خلاف ما هو عليه ، كان خلاف ما هو عليه من جهة قصور الجاهل ، والشيء في نفسه على ما هو عليه لم يتغير . قال تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ [ الأنعام : 110 ] ، أي بواطنهم وظواهرهم فلا يرون بقلوبهم وأبصارهم إلا ما قلبهم إلى رؤيته فأراهم سبحانه ما أراد لا ما هو في نفس الأمر ، وذلك عين الإضلال منه تعالى لمن أراد أن يضله . ثم قال تعالى : كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ، أي يصدقوا بالحق تعالى على ما هو عليه إيمانا بالغيب من غير تفكر بعقولهم أول مرة ، وإنما خاضوا فيه بالأفكار وتدبروه بالعقول ، فاستحسنوا أن يكون سبحانه كذا وكذا في خيالهم ، فأثبتوه في اعتقادهم على حد ما وصلوا إليه لا على ما هو عليه في نفس الأمر ، وذلك قوله : وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ الأنعام : 110 ] وهم جميع أهل النظر ، فعلوا كذلك إلا من حفظ اللّه تعالى منهم فخاض في النظر للرد على المخالفين لا للاعتقاد وقليل ما هم إلا أنه ( ) - ، أي الشأن لا بد من حكم لسان التفضيل ، أو إثبات الفضائل بين المراتب التي هو ظاهر بها سبحانه لما ظهر ، أي لأجل الأمر الذي ظهر شرعا وعقلا من تفاضل بيان لذلك الأمر الخلق ، أي المخلوقات في العلوم الإلهية حتى يقال إن هذا أعلم من هذا ، أي أكثر علما منه . وقال تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ المجادلة : 11 ] مع أحدية العين ، أي الذات القائمة على كل نفس بما كسبت التي ما تعددت في هذا وهذا وهذا إلا بسبب أسمائها التي ظهرت آثارها . * * * ومعناه معنى نقص تعلّق الإرادة عن تعلّق العلم ، فهذه مفاضلة في الصّفات الإلهيّة ؛ وكمال تعلّق الإرادة وفضلها وزيادتها على تعلّق القدرة . وكذلك السّمع الإلهيّ والبصر وجميع الأسماء الإلهيّة على درجات في تفاضل بعضها على بعض . كذلك تفاضل ما ظهر في الخلق من أن يقال هذا أعلم من هذا مع أحديّة العين . وكما أن كلّ اسم إلهيّ إذا قدّمته سمّيته بجميع الأسماء ونعتّه بها ، كذلك فيما ظهر من الخلق فيه أهليّة كلّ ما فوضل به ، فكلّ جزء من العالم مجموع العالم ، أي هو قابل لحقائق متفرّقات العالم كلّه ؛ فلا يقدح قولنا إنّ زيدا دون عمرو في العلم أن تكون هويّة الحقّ عين زيد وعمرو ، ويكون في عمرو أكمل وأعلم منه في زيد ، كما تفاضلت الأسماء الإلهيّة وليست غير الحقّ .